في دورة تطور السوق الرأسمالي، يتكرر مصطلحا 「السوق الصاعدة」 و 「السوق الهابطة」 كمد والجزر، وهو ظاهرة لا مفر منها يواجهها المستثمرون. يستمتع العديد من المستثمرين بازدهار السوق الصاعد، لكنهم يكشفون عن ثغرات استراتيجياتهم خلال اختبار السوق الهابط. فهم جوهر السوق الهابط وطرق التعامل معه هو موضوع حاسم في مسيرة الاستثمار.
تعريف وتصنيف السوق الهابط
السوق الهابط (Bear Market) يشير إلى حالة السوق التي تنخفض فيها أسعار الأصول بنسبة 20% أو أكثر من أعلى نقطة، وقد تستمر هذه الاتجاهات الهبوطية من عدة أشهر إلى عدة سنوات. بالمقابل، عندما ترتفع الأسعار من أدنى نقطة بأكثر من 20% يُطلق عليها السوق الصاعد (Bull Market).
كانت سوق الأسهم الأمريكية في عام 2022 مثالاً نموذجياً: حيث انخفض مؤشر داو جونز من 36952.65 نقطة في 5 يناير، إلى ما دون 29562.12 في منتصف سبتمبر، وأغلق عند 29260.81 في 26 سبتمبر، مما يدل على الدخول الرسمي في المنطقة الهابطة.
من المهم ملاحظة أن مفهوم السوق الهابط يشمل جميع فئات الأصول — ليس فقط الأسهم، بل يشمل السندات، العقارات، المعادن الثمينة، النفط، أسعار الصرف وحتى الأصول المشفرة.
تفرقة مهمة: من السهل الخلط بين السوق الهابط وتصحيح السوق (correction)، لكنهما يختلفان في الطبيعة. التصحيح هو انخفاض أسعار الأسهم من أعلى نقطة بنسبة تتراوح بين 10% و20%، وهو تصحيح قصير الأمد، ويحدث بشكل متكرر ولفترة قصيرة؛ أما السوق الهابط فهو اتجاه هبوطي طويل الأمد، وله تأثير أعمق على نفسية المستثمرين وتوزيع الأصول.
السمات النموذجية للسوق الهابط
السمة الأولى: انخفاض واضح في الأسعار
العلامة الأولى للسوق الهابط هي انخفاض الأسعار بأكثر من 20%. وفقًا لتعريف لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، عندما تنخفض معظم مؤشرات الأسهم بنسبة 20% أو أكثر خلال شهرين، يُعتبر السوق في مرحلة هابطة. تُظهر البيانات التاريخية أن مؤشر S&P 500 خلال 19 سوقًا هابطة في 140 سنة الماضية، بلغ متوسط الانخفاض 37.3%.
السمة الثانية: مدة الدورة طويلة
السوق الهابط ليس تقلبات قصيرة، بل هو اتجاه طويل الأمد. تُظهر إحصائيات مؤشر S&P 500 أن متوسط مدة السوق الهابط هو 289 يومًا. لكن هذا متوسط — فبعض الأسواق الهابطة تكون أقصر (مثل سوق كورونا في 2020 استمرت شهرًا واحدًا فقط)، وأخرى أطول لسنوات (مثل فقاعة الإنترنت عام 2000 استمرت لسنوات). بشكل عام، يحتاج السوق الهابط إلى انخفاض بنسبة 38% ليغير اتجاهه، واستعادة القمم السابقة عادة ما يتطلب سنوات أو أكثر.
السمة الثالثة: مصاحبة لتدهور اقتصادي
غالبًا ما يصاحب السوق الهابط ركودًا اقتصاديًا، ارتفاع معدلات البطالة، وتضخمًا سلبيًا. في ظل هذه الظروف، تتبع البنوك المركزية سياسات التسهيل الكمي لمحاولة إنقاذ السوق. تشير التجارب التاريخية إلى أن الارتفاعات قبل بداية التسهيل الكمي غالبًا ما تكون تصحيحات سوقية وليست قاعًا حقيقيًا.
السمة الرابعة: تراكم فقاعات الأصول
تقلبات أسعار الأصول غالبًا ما تتجاوز بشكل كبير تقلبات أساسياتها. في بيئة السوق التي تتجه نحو السوق الهابط، غالبًا ما تكون هناك فقاعات كبيرة. من الصعب أن يظهر السوق الهابط في بداية توسع اقتصادي، لكن إذا تراكمت فقاعات الأصول وأظهر المستثمرون حماسة غير عقلانية، فإن البنوك المركزية ستقوم بتشديد السيولة للحد من التضخم، مما يؤدي في النهاية إلى سوق هابطة مرحلية.
أبعاد متعددة تكشف عن أسباب السوق الهابط
عادةً ما يتكون السوق الهابط من تفاعل عدة عوامل:
فقدان الثقة في السوق
عندما يتوقع المستثمرون تدهورًا في الاقتصاد، يميل المستهلكون إلى الادخار بدلاً من الإنفاق، وتقوم الشركات بتقليل التوظيف والاستثمار، وتخفض أسواق رأس المال تقييم أرباح الشركات. مع تفاعل هذه العوامل، تتراجع الأسعار بشكل حاد على المدى القصير.
فقاعات الأسعار المفرطة في التضخم
عندما يكون السوق ساخنًا جدًا، يتم تضخيم أسعار الأصول إلى مستويات لا يمكن استيعابها، ثم تبدأ في الانعكاس. هذا يسبب تأثير التدافع، ويزيد من وتيرة الانخفاض. التقلبات الحادة في الارتفاع والانخفاض تدمر ثقة السوق، وتؤدي إلى تفاقم الوضع.
المخاطر الجيوسياسية والمالية
إفلاس المؤسسات المالية، أزمات الديون السيادية، الصراعات الإقليمية — كلها أحداث يمكن أن تثير الذعر. على سبيل المثال، ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، أو التوترات التجارية بين الصين وأمريكا، تؤدي إلى زعزعة الثقة وسحب الاستثمارات.
تحول سريع في السياسة النقدية
رفع الفائدة وتقليص الميزانية العمومية من قبل الاحتياطي الفيدرالي يقللان السيولة، ويضغطان على الشركات والاستثمار الاستهلاكي، مما يخفض تقييمات الأسهم.
الصدمات الخارجية والأحداث غير المتوقعة
الكوارث الطبيعية، تفشي الأوبئة، أزمات الطاقة — كلها يمكن أن تؤدي إلى هبوط عالمي في الأسواق. على سبيل المثال، جائحة COVID-19 أدت إلى ذعر عالمي في 2020.
مراجعة 6 أزمات هبوط مهمة في تاريخ سوق الأسهم الأمريكية
سوق 2022 الهابط: تصحيح منهجي تحت تأثير ثلاث ضربات
بدأ السوق الهابط في 4 يناير 2022، نتيجة تفاعل عدة عوامل: ارتفاع التضخم بعد جائحة كورونا نتيجة التسهيلات الكمية المفرطة من البنوك المركزية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، ورفع الفائدة وتقليص الميزانية من قبل الاحتياطي الفيدرالي، مما أدى إلى انهيار الثقة. كانت أكبر الخسائر في أسهم التكنولوجيا التي شهدت ارتفاعات قوية خلال العامين السابقين. استمرار دورة رفع الفائدة يشير إلى أن هذا السوق الهابط قد يستمر حتى 2023 على الأقل.
سوق كورونا في 2020: سوق هابطة قصيرة جدًا
في نهاية 2019، تفشى وباء ووهان، وبدأ في الانتشار عالميًا في بداية 2020، مما أدى إلى ذعر. كانت هذه أقصر سوق هابطة على الإطلاق — حيث انخفض مؤشر داو من 29568 في 12 فبراير إلى 18213 في 23 مارس، لكنه أغلق عند 22552 في 26 مارس، مرتفعًا بنسبة 20%، متجاوزًا السوق الهابط. استوعبت البنوك المركزية الدرس من 2008، وبدأت بسرعة التسهيل الكمي، مما أدى إلى حل سريع للأزمة، وعودة إلى سوق صاعدة قوية استمرت عامين.
أزمة 2008: أطول وأعمق هبوط
بدأت في 9 أكتوبر 2007، عندما أغلق مؤشر داو عند 14164.43، وانخفض إلى 6544.44 في 6 مارس 2009، بنسبة هبوط 53.4%. السبب يعود إلى فقاعة الإنترنت عام 2000، وأزمة 11 سبتمبر 2001، وتراجع الثقة السوقية، مما دفع الاحتياطي الفيدرالي لخفض الفائدة بشكل كبير. في ظل الفائدة المنخفضة، اقترض الكثير من المستثمرين لشراء المنازل، وارتفعت سوق العقارات بشكل مؤقت. قامت البنوك بإقراض غير القادرين على السداد، وبيعت القروض كمنتجات مالية، مما زاد من المخاطر. بعد ارتفاع أسعار العقارات، حاولت البنوك كبح التضخم برفع الفائدة، مما أدى إلى خروج المستثمرين من السوق العقاري، وتراجع الأسعار، واندلاع أزمة متسلسلة. استمرت السوق الهابطة حتى عام 2013، عندما عادت داو إلى أعلى مستوى في 2007، منهية الأزمة.
فقاعة الإنترنت 2000: فوضى الأسهم التقنية
في التسعينيات، أدى نمو الإنترنت إلى ظهور العديد من الشركات التقنية، لكن معظمها لم يكن يحقق أرباحًا حقيقية، وكانت تعتمد على مضاعفات الأرباح والمضاربة على المفاهيم. تضخمت تقييمات الشركات، وعندما سحب المستثمرون أموالهم، حدثت عمليات تدافع. انتهت هذه السوق الصاعدة الأطول في عام 2000، وأدت إلى ركود اقتصادي في العام التالي، مع تفاقم الأزمة بعد هجمات 11 سبتمبر.
الإثنين الأسود 1987: التداول الآلي يضاعف الذعر
في 19 أكتوبر 1987، هبط مؤشر داو بنسبة 22.62%، وهو لحظة تاريخية في وول ستريت. استمرت سوق الأسهم في فترة ازدهار لعدة سنوات، لكن مع رفع الفائدة المستمر وتوترات الشرق الأوسط، بدأ السوق يتراجع. كانت البرمجيات التداولية قد ظهرت، وعند انخفاض الأسعار بشكل حاد، كانت تفعيل أوامر وقف الخسارة تلقائيًا يسرع الانخفاض. استجابت الحكومة بسرعة، وطبقت إجراءات لخفض الفائدة وتوفير السيولة، مما ساعد على استعادة السوق خلال 16 شهرًا، أسرع بكثير من أزمة 1929 التي استمرت عقدًا، مما يدل على أن السوق تعلمت كيفية التعامل مع المعلومات السلبية.
أزمة النفط 1973-1974: انهيار نظامي في عصر التضخم
بعد اندلاع حرب أكتوبر 1973، فرضت أوبك حظرًا على النفط وقلصت الإنتاج، وارتفعت الأسعار من 3 دولارات إلى 12 دولارًا للبرميل خلال نصف سنة (زيادة 300%). زاد ذلك من التضخم في الولايات المتحدة، حيث كانت معدلات CPI قد وصلت إلى 8%، وظهرت ظاهرة “الركود التضخمي” — حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.7%، بينما استمر التضخم عند 12.3%. بدأ السوق الهابط في يناير 1973، وتفاقمت الأزمة مع Watergate، وخسر مؤشر S&P 500 حوالي 48%، وانخفض مؤشر داو إلى النصف. استمرت الأزمة 21 شهرًا، وهي أطول وأعمق انهيار نظامي في التاريخ الحديث، مع فشل السياسات في تحفيز النمو بسرعة.
كيف تعدل استراتيجيتك الاستثمارية خلال السوق الهابط
استراتيجية 1: تقليل المخاطر بشكل نشط
خلال السوق الهابط، يجب الاحتفاظ بسيولة كافية لمواجهة التقلبات، وتجنب المديونية المفرطة. يُنصح بتقليل حيازة الأصول ذات مضاعفات الأرباح العالية — فهي غالبًا فقاعات، وتحقق ارتفاعات قوية في السوق الصاعد، وتنهار في السوق الهابط.
استراتيجية 2: استهداف الأصول الدفاعية والأسهم ذات الجودة العالية
بالإضافة إلى الاحتفاظ بالسيولة، يمكن التركيز على الأصول المضادة للدورة مثل الرعاية الصحية، والسلع الأساسية، والشركات ذات التخصصات الفريدة. كما يُنصح بشراء أسهم ذات أداء قوي عند انخفاضها بشكل كبير، وفقًا لمضاعفات الأرباح التاريخية، مع توزيع المشتريات على مراحل عند أدنى المستويات. يجب أن تتوفر لدى الشركات ميزة تنافسية قوية تضمن استمراريتها لأكثر من ثلاث سنوات، وإلا فإن تراجعها أثناء الانتعاش قد يمنعها من العودة إلى القمم. للمستثمرين غير واثقين من استدامة الأسهم، يمكن الاعتماد على صناديق المؤشرات (ETFs) لمتابعة السوق حتى يبدأ الانتعاش.
استراتيجية 3: استخدام الأدوات المالية بمرونة للبحث عن فرص
خلال السوق الهابط، تكون احتمالات الانخفاض أعلى، ونجاح البيع على المكشوف يزيد. العقود الفرقية (CFD) كأداة مشتقة تتيح للمستثمرين التداول في كلا الاتجاهين دون امتلاك الأصل، وتشمل مؤشرات، عملات، عقود آجلة، أسهم، معادن وغيرها. من مزايا CFD هو توفير آلية البيع على المكشوف، مما يتيح استغلال الاتجاه الهابط. توفر العديد من منصات CFD حسابات تجريبية لتدريب المستثمرين وتقليل المخاطر عند التداول الحقيقي.
التعرف على الارتدادات الوهمية والأرضية الحقيقية للسوق الهابط
الارتداد في السوق الهابط (أو ما يُعرف بفخ السوق الهابط) هو ارتفاع قصير المدى يستمر من أيام إلى أسابيع خلال الاتجاه الهابط، ويُعتبر إشارة ارتداد عندما يتجاوز الارتفاع 5%. غالبًا ما يضلل هذا المستثمرين، ويجعلهم يظنون أن سوقًا صاعدًا جديدًا قد بدأ. لكن، إلا إذا استمر الارتفاع لعدة أشهر أو تجاوز 20% وابتعد عن السوق الهابط، فهو مجرد ارتداد مؤقت.
مؤشرات تمييز الارتداد عن السوق الصاعد الحقيقي
يمكن الاعتماد على الإشارات التالية لتحديد ما إذا كانت هناك انعطافة حقيقية:
أكثر من 90% من الأسهم تتداول فوق متوسط 10 أيام
أكثر من 50% من الأسهم تتجه نحو الارتفاع
أكثر من 55% من الأسهم تصل إلى أعلى مستوياتها خلال 20 يومًا
عند توافر هذه الشروط، يمكن تأكيد إشارة السوق الصاعد، وإلا فهي مجرد ارتداد تقني ضمن السوق الهابط.
الخلاصة
قدوم السوق الهابط ليس أمرًا مخيفًا، المهم هو القدرة على التعرف على علامات السوق الهابط في الوقت المناسب واتخاذ الإجراءات المناسبة. يمكن للمستثمرين حماية أصولهم من خلال أدوات مثل البيع على المكشوف، والبحث عن فرص في ظل المخاطر. تغيير النفسية، واستغلال الفرص، يتيحان الربح من كلا الاتجاهين.
بالنسبة للمستثمرين المحافظين، فإن أهم شيء خلال السوق الهابط هو الصبر، والالتزام بقواعد وقف الخسارة وجني الأرباح، للحفاظ على الأصول واستغلال الفرص. المستثمرون الماهرون لا يخافون من السوق الهابط، بل يختارون في أوقات الذعر أفضل فرص التمركز.
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
دخول سوق الدببة: التعرف على خصائص السوق الهابطة، أسبابها وطرق التعامل معها
في دورة تطور السوق الرأسمالي، يتكرر مصطلحا 「السوق الصاعدة」 و 「السوق الهابطة」 كمد والجزر، وهو ظاهرة لا مفر منها يواجهها المستثمرون. يستمتع العديد من المستثمرين بازدهار السوق الصاعد، لكنهم يكشفون عن ثغرات استراتيجياتهم خلال اختبار السوق الهابط. فهم جوهر السوق الهابط وطرق التعامل معه هو موضوع حاسم في مسيرة الاستثمار.
تعريف وتصنيف السوق الهابط
السوق الهابط (Bear Market) يشير إلى حالة السوق التي تنخفض فيها أسعار الأصول بنسبة 20% أو أكثر من أعلى نقطة، وقد تستمر هذه الاتجاهات الهبوطية من عدة أشهر إلى عدة سنوات. بالمقابل، عندما ترتفع الأسعار من أدنى نقطة بأكثر من 20% يُطلق عليها السوق الصاعد (Bull Market).
كانت سوق الأسهم الأمريكية في عام 2022 مثالاً نموذجياً: حيث انخفض مؤشر داو جونز من 36952.65 نقطة في 5 يناير، إلى ما دون 29562.12 في منتصف سبتمبر، وأغلق عند 29260.81 في 26 سبتمبر، مما يدل على الدخول الرسمي في المنطقة الهابطة.
من المهم ملاحظة أن مفهوم السوق الهابط يشمل جميع فئات الأصول — ليس فقط الأسهم، بل يشمل السندات، العقارات، المعادن الثمينة، النفط، أسعار الصرف وحتى الأصول المشفرة.
تفرقة مهمة: من السهل الخلط بين السوق الهابط وتصحيح السوق (correction)، لكنهما يختلفان في الطبيعة. التصحيح هو انخفاض أسعار الأسهم من أعلى نقطة بنسبة تتراوح بين 10% و20%، وهو تصحيح قصير الأمد، ويحدث بشكل متكرر ولفترة قصيرة؛ أما السوق الهابط فهو اتجاه هبوطي طويل الأمد، وله تأثير أعمق على نفسية المستثمرين وتوزيع الأصول.
السمات النموذجية للسوق الهابط
السمة الأولى: انخفاض واضح في الأسعار
العلامة الأولى للسوق الهابط هي انخفاض الأسعار بأكثر من 20%. وفقًا لتعريف لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، عندما تنخفض معظم مؤشرات الأسهم بنسبة 20% أو أكثر خلال شهرين، يُعتبر السوق في مرحلة هابطة. تُظهر البيانات التاريخية أن مؤشر S&P 500 خلال 19 سوقًا هابطة في 140 سنة الماضية، بلغ متوسط الانخفاض 37.3%.
السمة الثانية: مدة الدورة طويلة
السوق الهابط ليس تقلبات قصيرة، بل هو اتجاه طويل الأمد. تُظهر إحصائيات مؤشر S&P 500 أن متوسط مدة السوق الهابط هو 289 يومًا. لكن هذا متوسط — فبعض الأسواق الهابطة تكون أقصر (مثل سوق كورونا في 2020 استمرت شهرًا واحدًا فقط)، وأخرى أطول لسنوات (مثل فقاعة الإنترنت عام 2000 استمرت لسنوات). بشكل عام، يحتاج السوق الهابط إلى انخفاض بنسبة 38% ليغير اتجاهه، واستعادة القمم السابقة عادة ما يتطلب سنوات أو أكثر.
السمة الثالثة: مصاحبة لتدهور اقتصادي
غالبًا ما يصاحب السوق الهابط ركودًا اقتصاديًا، ارتفاع معدلات البطالة، وتضخمًا سلبيًا. في ظل هذه الظروف، تتبع البنوك المركزية سياسات التسهيل الكمي لمحاولة إنقاذ السوق. تشير التجارب التاريخية إلى أن الارتفاعات قبل بداية التسهيل الكمي غالبًا ما تكون تصحيحات سوقية وليست قاعًا حقيقيًا.
السمة الرابعة: تراكم فقاعات الأصول
تقلبات أسعار الأصول غالبًا ما تتجاوز بشكل كبير تقلبات أساسياتها. في بيئة السوق التي تتجه نحو السوق الهابط، غالبًا ما تكون هناك فقاعات كبيرة. من الصعب أن يظهر السوق الهابط في بداية توسع اقتصادي، لكن إذا تراكمت فقاعات الأصول وأظهر المستثمرون حماسة غير عقلانية، فإن البنوك المركزية ستقوم بتشديد السيولة للحد من التضخم، مما يؤدي في النهاية إلى سوق هابطة مرحلية.
أبعاد متعددة تكشف عن أسباب السوق الهابط
عادةً ما يتكون السوق الهابط من تفاعل عدة عوامل:
فقدان الثقة في السوق
عندما يتوقع المستثمرون تدهورًا في الاقتصاد، يميل المستهلكون إلى الادخار بدلاً من الإنفاق، وتقوم الشركات بتقليل التوظيف والاستثمار، وتخفض أسواق رأس المال تقييم أرباح الشركات. مع تفاعل هذه العوامل، تتراجع الأسعار بشكل حاد على المدى القصير.
فقاعات الأسعار المفرطة في التضخم
عندما يكون السوق ساخنًا جدًا، يتم تضخيم أسعار الأصول إلى مستويات لا يمكن استيعابها، ثم تبدأ في الانعكاس. هذا يسبب تأثير التدافع، ويزيد من وتيرة الانخفاض. التقلبات الحادة في الارتفاع والانخفاض تدمر ثقة السوق، وتؤدي إلى تفاقم الوضع.
المخاطر الجيوسياسية والمالية
إفلاس المؤسسات المالية، أزمات الديون السيادية، الصراعات الإقليمية — كلها أحداث يمكن أن تثير الذعر. على سبيل المثال، ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، أو التوترات التجارية بين الصين وأمريكا، تؤدي إلى زعزعة الثقة وسحب الاستثمارات.
تحول سريع في السياسة النقدية
رفع الفائدة وتقليص الميزانية العمومية من قبل الاحتياطي الفيدرالي يقللان السيولة، ويضغطان على الشركات والاستثمار الاستهلاكي، مما يخفض تقييمات الأسهم.
الصدمات الخارجية والأحداث غير المتوقعة
الكوارث الطبيعية، تفشي الأوبئة، أزمات الطاقة — كلها يمكن أن تؤدي إلى هبوط عالمي في الأسواق. على سبيل المثال، جائحة COVID-19 أدت إلى ذعر عالمي في 2020.
مراجعة 6 أزمات هبوط مهمة في تاريخ سوق الأسهم الأمريكية
سوق 2022 الهابط: تصحيح منهجي تحت تأثير ثلاث ضربات
بدأ السوق الهابط في 4 يناير 2022، نتيجة تفاعل عدة عوامل: ارتفاع التضخم بعد جائحة كورونا نتيجة التسهيلات الكمية المفرطة من البنوك المركزية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، ورفع الفائدة وتقليص الميزانية من قبل الاحتياطي الفيدرالي، مما أدى إلى انهيار الثقة. كانت أكبر الخسائر في أسهم التكنولوجيا التي شهدت ارتفاعات قوية خلال العامين السابقين. استمرار دورة رفع الفائدة يشير إلى أن هذا السوق الهابط قد يستمر حتى 2023 على الأقل.
سوق كورونا في 2020: سوق هابطة قصيرة جدًا
في نهاية 2019، تفشى وباء ووهان، وبدأ في الانتشار عالميًا في بداية 2020، مما أدى إلى ذعر. كانت هذه أقصر سوق هابطة على الإطلاق — حيث انخفض مؤشر داو من 29568 في 12 فبراير إلى 18213 في 23 مارس، لكنه أغلق عند 22552 في 26 مارس، مرتفعًا بنسبة 20%، متجاوزًا السوق الهابط. استوعبت البنوك المركزية الدرس من 2008، وبدأت بسرعة التسهيل الكمي، مما أدى إلى حل سريع للأزمة، وعودة إلى سوق صاعدة قوية استمرت عامين.
أزمة 2008: أطول وأعمق هبوط
بدأت في 9 أكتوبر 2007، عندما أغلق مؤشر داو عند 14164.43، وانخفض إلى 6544.44 في 6 مارس 2009، بنسبة هبوط 53.4%. السبب يعود إلى فقاعة الإنترنت عام 2000، وأزمة 11 سبتمبر 2001، وتراجع الثقة السوقية، مما دفع الاحتياطي الفيدرالي لخفض الفائدة بشكل كبير. في ظل الفائدة المنخفضة، اقترض الكثير من المستثمرين لشراء المنازل، وارتفعت سوق العقارات بشكل مؤقت. قامت البنوك بإقراض غير القادرين على السداد، وبيعت القروض كمنتجات مالية، مما زاد من المخاطر. بعد ارتفاع أسعار العقارات، حاولت البنوك كبح التضخم برفع الفائدة، مما أدى إلى خروج المستثمرين من السوق العقاري، وتراجع الأسعار، واندلاع أزمة متسلسلة. استمرت السوق الهابطة حتى عام 2013، عندما عادت داو إلى أعلى مستوى في 2007، منهية الأزمة.
فقاعة الإنترنت 2000: فوضى الأسهم التقنية
في التسعينيات، أدى نمو الإنترنت إلى ظهور العديد من الشركات التقنية، لكن معظمها لم يكن يحقق أرباحًا حقيقية، وكانت تعتمد على مضاعفات الأرباح والمضاربة على المفاهيم. تضخمت تقييمات الشركات، وعندما سحب المستثمرون أموالهم، حدثت عمليات تدافع. انتهت هذه السوق الصاعدة الأطول في عام 2000، وأدت إلى ركود اقتصادي في العام التالي، مع تفاقم الأزمة بعد هجمات 11 سبتمبر.
الإثنين الأسود 1987: التداول الآلي يضاعف الذعر
في 19 أكتوبر 1987، هبط مؤشر داو بنسبة 22.62%، وهو لحظة تاريخية في وول ستريت. استمرت سوق الأسهم في فترة ازدهار لعدة سنوات، لكن مع رفع الفائدة المستمر وتوترات الشرق الأوسط، بدأ السوق يتراجع. كانت البرمجيات التداولية قد ظهرت، وعند انخفاض الأسعار بشكل حاد، كانت تفعيل أوامر وقف الخسارة تلقائيًا يسرع الانخفاض. استجابت الحكومة بسرعة، وطبقت إجراءات لخفض الفائدة وتوفير السيولة، مما ساعد على استعادة السوق خلال 16 شهرًا، أسرع بكثير من أزمة 1929 التي استمرت عقدًا، مما يدل على أن السوق تعلمت كيفية التعامل مع المعلومات السلبية.
أزمة النفط 1973-1974: انهيار نظامي في عصر التضخم
بعد اندلاع حرب أكتوبر 1973، فرضت أوبك حظرًا على النفط وقلصت الإنتاج، وارتفعت الأسعار من 3 دولارات إلى 12 دولارًا للبرميل خلال نصف سنة (زيادة 300%). زاد ذلك من التضخم في الولايات المتحدة، حيث كانت معدلات CPI قد وصلت إلى 8%، وظهرت ظاهرة “الركود التضخمي” — حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.7%، بينما استمر التضخم عند 12.3%. بدأ السوق الهابط في يناير 1973، وتفاقمت الأزمة مع Watergate، وخسر مؤشر S&P 500 حوالي 48%، وانخفض مؤشر داو إلى النصف. استمرت الأزمة 21 شهرًا، وهي أطول وأعمق انهيار نظامي في التاريخ الحديث، مع فشل السياسات في تحفيز النمو بسرعة.
كيف تعدل استراتيجيتك الاستثمارية خلال السوق الهابط
استراتيجية 1: تقليل المخاطر بشكل نشط
خلال السوق الهابط، يجب الاحتفاظ بسيولة كافية لمواجهة التقلبات، وتجنب المديونية المفرطة. يُنصح بتقليل حيازة الأصول ذات مضاعفات الأرباح العالية — فهي غالبًا فقاعات، وتحقق ارتفاعات قوية في السوق الصاعد، وتنهار في السوق الهابط.
استراتيجية 2: استهداف الأصول الدفاعية والأسهم ذات الجودة العالية
بالإضافة إلى الاحتفاظ بالسيولة، يمكن التركيز على الأصول المضادة للدورة مثل الرعاية الصحية، والسلع الأساسية، والشركات ذات التخصصات الفريدة. كما يُنصح بشراء أسهم ذات أداء قوي عند انخفاضها بشكل كبير، وفقًا لمضاعفات الأرباح التاريخية، مع توزيع المشتريات على مراحل عند أدنى المستويات. يجب أن تتوفر لدى الشركات ميزة تنافسية قوية تضمن استمراريتها لأكثر من ثلاث سنوات، وإلا فإن تراجعها أثناء الانتعاش قد يمنعها من العودة إلى القمم. للمستثمرين غير واثقين من استدامة الأسهم، يمكن الاعتماد على صناديق المؤشرات (ETFs) لمتابعة السوق حتى يبدأ الانتعاش.
استراتيجية 3: استخدام الأدوات المالية بمرونة للبحث عن فرص
خلال السوق الهابط، تكون احتمالات الانخفاض أعلى، ونجاح البيع على المكشوف يزيد. العقود الفرقية (CFD) كأداة مشتقة تتيح للمستثمرين التداول في كلا الاتجاهين دون امتلاك الأصل، وتشمل مؤشرات، عملات، عقود آجلة، أسهم، معادن وغيرها. من مزايا CFD هو توفير آلية البيع على المكشوف، مما يتيح استغلال الاتجاه الهابط. توفر العديد من منصات CFD حسابات تجريبية لتدريب المستثمرين وتقليل المخاطر عند التداول الحقيقي.
التعرف على الارتدادات الوهمية والأرضية الحقيقية للسوق الهابط
الارتداد في السوق الهابط (أو ما يُعرف بفخ السوق الهابط) هو ارتفاع قصير المدى يستمر من أيام إلى أسابيع خلال الاتجاه الهابط، ويُعتبر إشارة ارتداد عندما يتجاوز الارتفاع 5%. غالبًا ما يضلل هذا المستثمرين، ويجعلهم يظنون أن سوقًا صاعدًا جديدًا قد بدأ. لكن، إلا إذا استمر الارتفاع لعدة أشهر أو تجاوز 20% وابتعد عن السوق الهابط، فهو مجرد ارتداد مؤقت.
مؤشرات تمييز الارتداد عن السوق الصاعد الحقيقي
يمكن الاعتماد على الإشارات التالية لتحديد ما إذا كانت هناك انعطافة حقيقية:
عند توافر هذه الشروط، يمكن تأكيد إشارة السوق الصاعد، وإلا فهي مجرد ارتداد تقني ضمن السوق الهابط.
الخلاصة
قدوم السوق الهابط ليس أمرًا مخيفًا، المهم هو القدرة على التعرف على علامات السوق الهابط في الوقت المناسب واتخاذ الإجراءات المناسبة. يمكن للمستثمرين حماية أصولهم من خلال أدوات مثل البيع على المكشوف، والبحث عن فرص في ظل المخاطر. تغيير النفسية، واستغلال الفرص، يتيحان الربح من كلا الاتجاهين.
بالنسبة للمستثمرين المحافظين، فإن أهم شيء خلال السوق الهابط هو الصبر، والالتزام بقواعد وقف الخسارة وجني الأرباح، للحفاظ على الأصول واستغلال الفرص. المستثمرون الماهرون لا يخافون من السوق الهابط، بل يختارون في أوقات الذعر أفضل فرص التمركز.