تفسير عميق لآلية التوقف في سوق الأسهم الأمريكية: لماذا نضغط على زر الإيقاف عند الانهيار السوقي

كلما شهد سوق الأسهم تقلبات كبيرة، فإن أكثر ما يخشاه المستثمرون هو فقدان السيطرة على السوق. وفي سوق الأسهم الأمريكية، هناك آلية تسمح بـ"إنقاذ الموقف" في اللحظات الحرجة — وهي آلية الحد من التداول. وتعمل هذه الآلية مثل جهاز حماية من انقطاع التيار الكهربائي في الدوائر، حيث عند رد فعل مفرط للمشاعر السوقية، تتوقف التداولات تلقائيًا لإعطاء الجميع فرصة للهدوء.

منطق عمل آلية الحد من التداول

اسم الحد من التداول (Circuit breaker) تصويري جدًا. خلال أوقات التداول العادية (من 9:30 إلى 16:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة)، إذا انخفض مؤشر S&P 500 بنسبة معينة مقارنة بسعر إغلاق اليوم السابق، يتم إيقاف التداول قسرًا.

وبالتحديد، تنقسم آلية الحد من التداول في السوق الأمريكية إلى ثلاث مستويات، وتكون شروط تفعيلها كالتالي:

  • الحد الأول: عند انخفاض بنسبة 7%، يتوقف التداول لمدة 15 دقيقة
  • الحد الثاني: عند انخفاض بنسبة 13%، يتوقف التداول مرة أخرى لمدة 15 دقيقة
  • الحد الثالث: عند انخفاض بنسبة 20%، يتوقف السوق تمامًا عن التداول في نفس اليوم

ومن المهم ملاحظة أن الحد الأول والثاني يتفعّلان مرة واحدة فقط في نفس يوم التداول. فمثلاً، إذا انخفض مؤشر S&P 500 بنسبة 7% ثم ارتفع، ثم انخفض مرة أخرى إلى 7%، فلن يتكرر تفعيل الحد الأول إلا إذا وصل إلى 13%، وهو الحد الثاني.

بالإضافة إلى ذلك، إذا حدثت عملية التوقف بعد الساعة 15:25، فلن تتوقف التداولات للحد الأول والثاني، إلا إذا تم تفعيل الحد الثالث.

لماذا نضع آلية الحد من التداول؟ لننظر إلى يوم الإثنين الأسود عام 1987

في 19 أكتوبر 1987، شهد سوق الأسهم الأمريكية كابوسًا. حيث هبط مؤشر داو جونز الصناعي بمقدار 508.32 نقطة في يوم واحد، بنسبة انخفاض بلغت 22.61%، وأُطلق عليه اسم “الإثنين الأسود”. وسرعان ما انتشر هذا الانهيار إلى جميع أنحاء العالم، حيث انهارت أسواق الأوراق المالية في ساعات قليلة، وتعرض السوق للانهيار الشامل.

وكانت هذه الكارثة سببًا في إنشاء أول نظام آلية الحد من التداول، بهدف واضح هو — منع الذعر الذي يدفع المستثمرين إلى البيع غير العقلاني.

عندما تتقلب الأسواق بشكل كبير، غالبًا ما تتأثر الأسعار بالمشاعر. وتعمل آلية الحد من التداول كزر إيقاف مؤقت للسوق، يمنح المستثمرين وقتًا لاستيعاب المعلومات الجديدة والتفكير بهدوء، بدلاً من البيع الجماعي.

أربع عمليات حد من التداول في عام 2020 بسبب الجائحة

أقرب موجة من التوقف حدثت في عام 2020. ففي شهر واحد فقط، تم تفعيل آلية الحد من التداول أربع مرات في السوق الأمريكية، وهو أمر نادر جدًا في التاريخ. فوارن بافيت شهد خمس حالات فقط من التوقف خلال حياته، ونحن مررنا بأربع حالات خلال عام واحد.

وهذه هي الخطوط الزمنية:

  • 9 مارس: هبط مؤشر S&P 500 بأكثر من 7%، وتفعّل الحد الأول
  • 12 مارس: هبط مرة أخرى بأكثر من 7%، وتفعّل الحد الأول مجددًا
  • 16 مارس: تكررت عملية التوقف للمرة الثالثة
  • 18 مارس: تكررت للمرة الرابعة

حتى 18 مارس، انخفض مؤشر ناسداك بنسبة 26% مقارنة بأعلى مستوى في فبراير، وانخفض مؤشر S&P 500 بنسبة 30%، ومؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 31%.

السببان الرئيسيان كانا: أولاً، سوق النفط. في بداية مارس، فشلت مفاوضات خفض الإنتاج بين السعودية وروسيا، وبدأت السعودية زيادة الإنتاج، مما أدى إلى هبوط أسعار النفط بشكل حاد. ثانيًا، انتشار جائحة كوفيد-19 عالميًا. فرضت الدول إجراءات مثل العزل الاجتماعي ومنع التجمعات، وتوقف النشاط الاقتصادي تقريبًا، وانخفضت إيرادات الشركات، وارتفعت معدلات البطالة. وقلق المستثمرون من الركود الاقتصادي، وبدأوا في التحوط، مما أدى إلى عمليات بيع واسعة وبيع على المكشوف.

الآثار الإيجابية والسلبية لآلية الحد من التداول

الفائدة الأساسية من آلية الحد من التداول واضحة: فهي تعمل كمهدئ في أوقات الذعر، وتساعد بعض المستثمرين على التهدئة، وتمنع السوق من الانزلاق أكثر نحو الفوضى. كما تحمي المستثمرين من ظاهرة “الانهيار المفاجئ” (Flash Crash) — مثل حادثة 6 مايو 2010، حين تسببت التداولات عالية التردد لمتداول واحد في هبوط مؤشر داو جونز بألف نقطة خلال 5 دقائق.

لكن، لآلية الحد من التداول أيضًا آثار سلبية. فبعض المستثمرين، عند اقترابهم من حدود التوقف، يسرعون في البيع خوفًا من أن يتعذر عليهم البيع إذا تم تفعيل التوقف. وهذا السلوك يزيد من تقلبات السوق، ويزيد من حالة القلق.

ماذا تفعل عند حدوث التوقف؟

لا تزال احتمالية حدوث توقف آخر في السوق الأمريكية قائمة. عادةً، يحدث التوقف في حالات مفاجئة غير متوقعة، مثل جائحة، أو حرب، أو عند وصول السوق إلى ذروته بشكل مفاجئ، مع ظهور صدمات خارجية غير متوقعة — مثل تغييرات مفاجئة في السياسات، أو تخفيضات كبيرة في البيانات الاقتصادية.

وفي حال حدوث توقف مرة أخرى، على المستثمرين أن يحافظوا على هدوئهم:

  1. الاحتفاظ بالنقد: تأكد من وجود احتياطات نقدية كافية وسيولة، ولا تدع الذعر يسيطر عليك
  2. حماية رأس المال: أعطِ الأولوية لأمان أموالك، وليس لتحقيق أرباح فورية
  3. التفكير على المدى الطويل: الانخفاضات الحادة غالبًا ما تكون فرص شراء جيدة، بشرط أن تملك القدرة على الاستمرار في الاستثمار
  4. تجنب التسرع في البيع: فالتوقف لمدة 15 دقيقة يمنحك وقتًا لاتخاذ قرار عقلاني، فلا تضيعه في البيع العشوائي

تم تصميم آلية الحد من التداول لحماية استقرار السوق. وعند تفعيلها، فهي اختبار حقيقي لثبات أعصاب المستثمرين. وفهم كيفية البقاء هادئًا أثناء الأزمات هو ما يميز المستثمر الناجح عن غيره.

شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • تثبيت